وبحسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية، غادر نحو 4 ملايين شخص الخرطوم بعد اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، فيما يقدر عدد العائدين بنحو 2.7 مليون شخص، بعدما استعاد الجيش المدينة العام الماضي.
غير أن العودة إلى المنازل لم تعن استعادة الحياة التي سبقت الحرب. فأحياء واسعة ما زالت تحمل آثار الدمار، والخدمات الأساسية لم تستعد انتظامها، بينما تواجه الأسر نفقات متزايدة لتأمين الغذاء والدواء وإصلاح ما تضرر من مساكنها.
رجل الأعمال عماد خالد أحمد، البالغ 43 عاما، أعاد أسرته من القاهرة قبل شهر، لكنه يستعد الآن لإرسالها مجددا إلى العاصمة المصرية.
وقال لفرانس برس: “لا أقول إني نادم، لكن قرار عودة الأسرة كان خطأ”.
وأبلغ مسؤولون حكوميون طلب منهم العودة إلى الخرطوم الوكالة بأنهم يعتزمون إبقاء أسرهم في الخارج.
وتشجع السلطات السكان على العودة، مع إعادة افتتاح المطار للرحلات الداخلية وبدء تأهيل بعض مرافق البنية التحتية. لكن الكهرباء والمياه لا تزالان تنقطعان لأيام في بعض المناطق، فيما تتصاعد كلفة الاحتياجات اليومية.
وعادت سعاد محمد إدريس، وهي أرملة وأم لستة أبناء، إلى منزلها في الخرطوم بحري لتجد أثاثه مسروقا. ولعجزها عن شراء ثلاجة جديدة، تضطر إلى شراء الطعام يوميا بأسعار تقول إنها تواصل الارتفاع.
وأضافت: “صحيح جئنا بشوق لبلدنا، لكن الغلاء طاحن”.
ويشكل الحصول على العلاج أحد أبرز التحديات أمام العائدين. فرغم إعادة تأهيل بعض المستشفيات بمساعدة جمعيات خيرية، لا تزال أدوية ومستلزمات طبية غير متوافرة.
وقالت الطبيبة هيفاء عمر إن العاملين يحاولون توفير الفحوص والتصوير الطبي داخل المستشفى لتخفيف الأعباء عن المرضى، لكن نقص بعض الأدوية يضطرهم إلى مطالبتهم بشرائها من الخارج.
وأضافت: “نطلب من المريض شراءها من خارج المستشفى وفي حلقنا غصة لأننا نعرف ظروف الناس”.
أما إمام بكر عباس، الذي عاد مع زوجته وطفليه ووالديه بعد ثلاثة أعوام في القاهرة، فقال إنه يضطر إلى زيارة نحو عشر صيدليات للعثور على دواء ضغط الدم لوالده، بينما يتغير سعره يوميا.
ويواجه أيضا صعوبة في حفظ الأنسولين لوالدته المصابة بالسكري، بسبب انقطاع الكهرباء الذي قال إنه يمتد إلى 12 ساعة يوميا.
وبعد ثلاثة أشهر من العودة، تستعد ثريا بابكر، البالغة 86 عاما، للمغادرة مع زوجها وابنتها إلى دولة الإمارات. وقالت إن الأسرة كانت ترغب في البقاء، لكن ظروفها الصحية وصعوبة الحصول على العلاج دفعتها إلى اتخاذ القرار.
وامتدت صعوبات العودة إلى التعليم، بعدما أنهت السلطات نظام الدراسة عن بعد في الجامعات في يوليو، وألزمت الطلاب بالحضور، وفق التقرير.
وقالت طالبة ماجستير إن الجامعة رفضت مناقشة بحثها عبر الإنترنت، رغم وجود المشرف عليها خارج البلاد. وتبحث طالبة أخرى عن منحة في مصر لبدء دراستها مجددا، بعدما فاتتها الامتحانات الحضورية.
وأضافت الطالبة، التي طلبت عدم ذكر اسمها: “لم يصغوا إلينا، كل ما كان يهمهم هو أن يعود الناس”.
وبين أسر تحزم حقائبها مرة أخرى وأخرى تحاول التكيف مع نقص الخدمات، يبقى استقرار العائدين مرتبطا بتوافر مقومات الحياة التي افتقدوها بعد عودتهم.
