خاص

رسوم ترامب

خذ قميصاً شبه جاهز في الصين، وأشحنه إلى كمبوديا، أضف إليه بعض الغرز هناك، ومن ثمّ روّج له في أميركا على أنه منتج كمبودي.

وهذا القميص الذي بدأ رحلته في الصين ومرّ بكمبوديا من أجل لمسات خياطة بسيطة، يُلخص أسلوباً جديداً ابتكره المصدرون الصينيون، للالتفاف على الرسوم الجمركية الأميركية، فعبر هذه الإستراتيجية الصينية، التي تُسهّلها عشرات الدول، يتكبد الاقتصاد الأميركي خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، وفق تقرير حديث أصدره البيت الأبيض.

40 دولة تُسهّل الالتفاف

وبحسب تقرير أعدته صحيفة “وول ستريت جورنال” واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإنه بينما تستعد واشنطن لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر المقبل، أفاد تقرير جديد أعدّه بيتر نافارو، مستشار التجارة في البيت الأبيض، بوجود أكثر من 40 دولة تُسهّل عمليات التهرّب الجديدة التي يقوم بها المصدرون الصينيون.

وتشمل هذه الدول جيران الصين الآسيويين، مثل فيتنام وماليزيا وكمبوديا، إلى جانب شركاء تجاريين رئيسيين مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي، حيث تفرض الولايات المتحدة على وارداتها من هذه الدول رسوماً جمركية، أقل من تلك المفروضة على السلع الصينية.

خسائر بالمليارات

وأشار تقرير البيت الأبيض إلى أن عمليات الشحن غير القانونية، أضرت بالمصنعين الأميركيين، وألحقت بالولايات المتحدة ما يُقدّر بنحو 19 إلى 26 مليار دولار كخسارة من عائدات الرسوم الجمركية السنوية، في حين لم يتضمن التقرير أدلة جديدة حول الحجم الفعلي لعمليات إعادة شحن البضائع الصينية إلى الولايات المتحدة عبر دول ثالثة، مكتفياً بالاستشهاد بأرقام صادرة عن جهات خارجية، قدّرت قيمة هذه التجارة بما يتراوح بين 40 ملياراً و303 مليارات دولار سنوياً.

الحل عبر الـ AI

ولوقف هذه الممارسات، اقترح تقرير البيت الأبيض إتخاذ إجراءات تشمل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على الحدود لفحص الشحنات والوثائق، وتشديد المعايير التي تُحدّد بلد منشأ المنتج.

وقد أبدى المسؤولون الأميركيون قلقهم إزاء عمليات الشحن غير القانونية منذ تولي ترامب رئاسته الأولى، حيث سعت الإدارة الأميركية حينها إلى الحد من الواردات الصينية عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة على بعض السلع الصينية. وفي العام الماضي، ومع تولي ترامب رئاسته الثانية فرضت إدارته رسوماً جمركية جديدة على منتجات من الصين.

وبلغ معدل الرسوم الجمركية الفعلي على البضائع الصينية حوالي 23% في شهر يونيو 2026، وفقاً لنموذج بن وارتون للميزانية، أي أكثر من ثلاثة أضعاف مثيله لدى الشركاء التجاريين الرئيسيين الآخرين.

وكان الهدف من هذه الخطوات هو تحقيق تكافؤ الفرص في مواجهة الشركات الصينية المدعومة من الدولة وتنشيط الصناعة الأميركية.

تفاوت التعريفات يُغذّي الالتفاف

وبحسب ديبورا إلمز، رئيسة قسم السياسات التجارية في مؤسسة هينريش، المعنية بتعزيز التجارة العالمية، فإن التفاوت في معدلات التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية زاد من حوافز شحن البضائع الصينية إلى الولايات المتحدة عبر أسواق أخرى. وشبّهت إلمز سياسة التعريفات الأميركية الحالية بفرض رسوم مرور قدرها 10 دولارات على الطريق السريع و3 دولارات على الطرق الأخرى.

حيلة التصنيع في دولة ثانية

وتقول المحللة الاقتصادية د. هدى علاء الدين، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن الأساليب الصينية للالتفاف على الرسوم الجمركية الأميركية، شهدت تطوراً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد نموذج الشحن المباشر للبضائع الصينية إلى دولة ثانية، ثم إعادة تصديرها إلى الولايات المتحدة، بالسهولة التي كان عليها في السابق، فمع تشديد واشنطن الرقابة على عمليات إعادة الشحن، أصبح مجرد عبور البضاعة الصينية عبر دولة أخرى من دون أي تغيير عليها أكثر عرضة للكشف، ولذلك انتقلت بعض الشركات الصينية إلى نموذج أكثر تعقيداً.

وتشرح علاء الدين، أن الأسلوب الجديد يقوم على نقل منتجات صينية شبه مكتملة إلى دولة ثانية، ليتم إجراء تعديلات محدودة عليها، قبل تصديرها إلى السوق الأميركية، حيث قد تكون هذه التعديلات في بعض الحالات، مجرد مراحل بسيطة من التجميع أو المعالجة أو الخياطة، وذلك كي يصبح بالإمكان الادعاء بأن المنتج اكتسب منشأ جديداً، لافتةً إلى أن المشكلة في هذه الممارسات هي أنها لم تعد تقتصر على شركات صغيرة، بل أصبحت تُديرها شبكات لوجستية معقدة تتوزع بين دول آسيوية وأوروبية، مما يجعل تعقب بلد المنشأ الحقيقي أمراً بالغ الصعوبة، ويتجاوز أدوات الرقابة التقليدية، وهو ما تجد فيه واشنطن ثغرة خطيرة تُفرغ الرسوم الجمركية من مضمونها.

الفرق بين التصنيع والالتفاف

وبحسب علاء الدين، فإن واشنطن لا تتعامل مع كل عملية تصنيع في دولة ثانية باعتبارها عملية تهرّب، إذ إن الشركات تستطيع قانونياً، نقل منتجاتها إلى دول أخرى وتعديلها، ومن ثم شحنها إلى وجهتها النهائية، ولكن المشكلة تبدأ عندما تكون العمليات التي تجرى في الدولة الثانية محدودة للغاية، ولا تغير الطبيعة الاقتصادية الحقيقية للسلعة، مشيرةً إلى أن المثال الأوضح في هذا السياق هي الملابس، فإرسال قماش أو مكونات صينية إلى مصنع في كمبوديا لإنتاج قطعة ملابس كاملة يختلف جذرياً عن إرسال قميص صيني شبه مكتمل لإضافة أزرار أو غرز بسيطة ثم منحه شهادة منشأ كمبودية، ففي الحالة الأولى نتحدث عن نشاط صناعي حقيقي، أما الثانية فتعتبرها واشنطن محاولة للالتفاف على قواعد المنشأ.

خيار لا تفضّله الصين

وترى علاء الدين، أن الصين وشركاتها أصبحت أمام واقع تجاري أكثر تعقيداً، حيث لم يعد يكفي تغيير مسار الشحن، بل أصبحت هناك حاجة، لإظهار أن المنتج خضع لتحويل صناعي حقيقي في دولة ثانية،  وهو خيار لا تحبذه السلطات الصينية كونه يفقد الصين جزءاً من القيمة المضافة التي كانت تتحقق محلياً، ويدفع الشركات إلى نقل مراحل من الإنتاج والاستثمار إلى دول أخرى، بما قد يضعف تدريجياً موقع الصين كمركز صناعي رئيسي لسلاسل الإمداد العالمية.

نتيجة متوقعة

من جهته يقول الكاتب الاقتصادي جو زغيب، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن ما تشتكي منه أميركا حالياً، هو نتيجة متوقعة لاتساع الفجوة بين الرسوم الجمركية المفروضة على الصين، وتلك المفروضة على دول أخرى، فكلما اتسع هذا الفارق، ارتفعت القيمة الاقتصادية لتغيير مسار البضائع الصينية، وبالتالي تزداد الحوافز أمام الشركات للبحث عن طرق تجعل المنتج الصيني يعبر الحدود الأميركية بتكلفة جمركية أقل، مشدداً على أن المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة أكبر من مسألة اكتشاف بضائع صينية تمر عبر كمبوديا أو فيتنام، لأن تشديد الرقابة قد يدفع الشركات الصينية إلى تغيير مساراتها مرة أخرى، حيث تمتلك بكين منظومة صناعية مترابطة تجعل من الصعب اكتشاف عمليات إعادة الشحن المصطنعة.

حدود التكنولوجيا في الجمارك

وبحسب زغيب فإن الولايات المتحدة تخوض اليوم معركة أصعب من فرض رسوم على المنتجات الصينية، وهي معركة تتبع منشأ المنتجات، فإذا لم تتمكن واشنطن من التمييز بين الإنتاج الحقيقي في دولة ثانية وبين المرور الشكلي عبرها، فإن نجاح سياستها الجمركية سيظل منقوصاً، لأن المنتجات الصينية ستبقى قادرة على الوصول إلى السوق الأميركية تحت هويات تجارية مختلفة، معتبراً أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمثل تحولاً مهماً في عمل الجمارك، لأنه يسمح بتحليل ملايين الوثائق والبيانات وربطها بحركة السفن والموانئ والموردين، إلا أن هذه التكنولوجيا لن تقدم حلاً سحرياً للمشكلة، إذ أن إثبات التهرب يتطلب في النهاية معلومات تفصيلية حول سلسلة التوريد ومصدر المكونات.

الحل الأمثل

ويرى زغيب أن مكافحة التهرب الصيني، يتطلب تعاوناً دولياً مع الدول التي تمر عبرها البضائع، فالتعاون الدولي يمثل الحل الأكثر فاعلية لمواجهة هذه الظاهرة، حيث أن تعزيز التنسيق وتبادل المعلومات بين واشنطن والدول التي تمر عبرها البضائع، إلى جانب وضع قواعد أكثر دقة لتحديد بلد المنشأ، يمكن أن يساعد في كشف العمليات التي تفتقر إلى نشاط صناعي حقيقي، مشيراً إلى أن غياب هذا التعاون سيمنح الشركات دائماً فرصة للاستفادة من الثغرات والانتقال إلى مسارات بديلة، إذ إن التجارة العالمية قادرة على ابتكار طرق جديدة للالتفاف على القيود أسرع من قدرة أي حكومة بمفردها على اكتشافها وإغلاقها.

الرسوم الجمركية.. سلاح ترامب الفتاك يعود للخدمة من جديد

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version