وعلى امتداد العالم، باتت الحكومات، والمطورون العقاريون، ومخططو المدن يدركون بصورة متزايدة أن الاستدامة لا تُقاس بالأداء البيئي وحده، بل تتجلى أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية. فقد أصبحت الأحياء الصديقة للمشاة، والمساحات العامة الشاملة، وسهولة الوصول إلى الطبيعة، وتعزيز الشعور بالانتماء، عوامل لا تقل أهمية عن التقنيات التي تعمل في الخلفية لدعم هذه المنظومة.

وعندما استقبلت “المدينة المستدامة”، التي طورتها سي القابضة، أول سكانها في دبي عام 2016، قدمت نموذجاً مختلفاً للحياة الحضرية المستدامة. فقد أُنشئ المشروع انطلاقاً من رؤية مؤسس ورئيس مجلس إدارة سي القابضة، فارس سعيد، ليكون نموذجاً عملياً تتكامل فيه الأبعاد الاجتماعية والبيئية والاقتصادية للاستدامة، بما يهيئ بيئة يزدهر فيها الإنسان والكوكب معاً.

وبعد ما يقارب عقداً من الزمن، تطورت “المدينة المستدامة” من مشروع لإثبات جدوى الفكرة إلى نموذج حي لمدن المستقبل يتم استنساخه في مدن وأسواق مختلفة. ولا تزال تقدم مثالاً عملياً على الكيفية التي يمكن بها للتطوير العمراني أن يعزز جودة الحياة، ويحد من الأثر البيئي، ويحقق قيمة اجتماعية واقتصادية مستدامة على المدى الطويل.

عندما تصبح الاستدامة جزءاً من الحياة اليومية

صُممت “المدينة المستدامة” لتجعل أسلوب الحياة المستدام خياراً طبيعياً في تفاصيل الحياة اليومية. يتنقل السكان عبر شوارع صديقة للمشاة ومساحات خضراء مشتركة، فيما تسهم المزارع الحضرية والقباب الحيوية في إعادة ربط المجتمع بإنتاج الغذاء وتعزيز التنوع البيولوجي. وفي الوقت ذاته، تعمل أنظمة الطاقة المتجددة، وإعادة تدوير المياه، والبنية التحتية الكفؤة في استخدام الموارد، في الخلفية لدعم الحياة اليومية، لتصبح الاستدامة تجربة معيشية يلمسها السكان، لا مجرد مفهوم نظري.

وتنعكس كفاءة هذه المنظومة في نتائج ملموسة؛ إذ تحقق المنازل وفورات لا تقل عن 60% في فواتير الكهرباء، فيما تسجّل المدينة انبعاثات أقل بنسبة 78% مقارنة بمتوسط انبعاثات وحدة سكنية مماثلة في دولة الإمارات، إلى جانب تحويل أكثر من 89% من النفايات بعيداً عن مكبات الطمر. كما تُعالج جميع مياه الصرف الصحي ويُعاد استخدامها في الري، بينما تسهم الألواح الشمسية المثبتة على أسطح المنازل ومواقف السيارات في دعم البنية التحتية للطاقة المتجددة داخل المجتمع.

وقد صُمم كل عنصر ضمن منظومة متكاملة ومترابطة، بحيث يعزز الأداء البيئي جودة الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه يعزّز مرونة المجتمع وقدرته على التكيّف ومواجهة التحديات على المدى الطويل. ويعكس هذا النهج تحولاً أوسع تشهده دولة الإمارات، حيث يُنظر إلى التنمية المستدامة بصورة متزايدة من منظور جودة الحياة، والابتكار، والجاهزية للمستقبل.

لمجتمعات تزدهر عندما يشعر الجميع بالانتماء

بالنسبة إلى فارس سعيد، لم يكن بناء المجتمعات المستدامة يوماً مقتصراً على الجوانب البيئية، بل ارتبط أيضاً بإنشاء أماكن يشعر فيها الجميع بأنهم جزء من نسيجها، ويتجسد هذا النهج بوضوح في “قرية سند”، المركز المتخصص للتوحد الذي يقع في قلب “المدينة المستدامة”. ويُعد المركز جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل المجتمع، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الشمول يجب أن يكون عنصراً أساسياً في تصميم المدن منذ البداية، لا إضافة تُلحق بها لاحقاً.

ومع اتساع الوعي العالمي بطيف التنوع العصبي وتطوّر فهمه، تقدم “قرية سند” نموذجاً يبرز كيف يمكن للتخطيط الحضري المدروس أن يسهم في بناء مجتمعات أكثر ترابطاً وتعاطفاً. وقد تجلى هذا البعد الإنساني خلال زيارة الممثل ويل سميث إلى “قرية سند” ضمن زيارته لـ”المدينة المستدامة”، إذ عكست تفاعلاته مع الطلبة وفريق العمل جانباً يصعب اختزاله في الأرقام والإحصاءات، يتمثل في قدرة المجتمع الدامج على ترسيخ الثقة، وتعزيز التواصل، وفتح آفاق جديدة للفرص.

وتؤكد مثل هذه اللحظات كيف يمكن للحضور العالمي أن يسلط الضوء على أفكار أصبحت جزءاً من الواقع اليومي. فقد تفتح الشهرة نافذة للوصول إلى جمهور أوسع، غير أن ما يمنح هذا الاهتمام قيمته الحقيقية واستمراريته هو أصالة الأشخاص، وخصوصية المكان، والتجارب الإنسانية التي تقف وراء هذه القصة.

واحة تنمو في قلب الصحراء

يروي التحول العمراني الذي شهدته “المدينة المستدامة” قصة أخرى لا تقل أهمية. فقد أُنشئت المدينة على أرض كانت تمتد فيها الصحراء، لتغدو اليوم نموذجاً يحظى باعتراف دولي في توظيف الأنظمة البيئية المتكاملة لدعم حياة حضرية مزدهرة في البيئات الجافة.

وتسهم القباب الحيوية والحدائق المجتمعية في تقريب مصادر إنتاج الغذاء من السكان، بينما تعمل المناظر الطبيعية الإنتاجية، وأنظمة الري الذكية، والطاقة المتجددة، وحلول ترشيد استهلاك المياه ضمن منظومة حضرية متكاملة. وبدلاً من التعامل مع الاستدامة بوصفها مجموعة من التقنيات المنفصلة، تبرهن المدينة كيف يمكن لهذه المنظومة المتكاملة أن تدعم أنماطاً معيشية أكثر صحة وقدرة على الصمود.

وتمنح زيارة هذه المساحات فهماً مباشراً لما يمكن أن تحققه التنمية الحضرية المستدامة. فالتجول بين المزارع الحضرية، والمناطق الخالية من السيارات، والمرافق العاملة بالطاقة الشمسية، يكشف كيف يمكن دمج المسؤولية البيئية في تفاصيل الحياة اليومية دون المساس بالراحة أو سهولة التنقل أو جودة الحياة.

حيث تلتقي الأفكار العالمية بالأثر المحلي

رسخت دولة الإمارات مكانتها، على نحو متزايد، بوصفها بيئة تتحول فيها الأفكار الطموحة إلى واقع ملموس. ويجسد مفهوم دبي الأفعال، الذي أُطلق مؤخراً، هذه الرؤية من خلال الاحتفاء بالقدرة على تحويل الأفكار الجريئة إلى إنجازات ملموسة، بالاعتماد على التميز، وسرعة التنفيذ، وكفاءته.

وقد تبنت “المدينة المستدامة” هذه الفلسفة منذ انطلاقتها، إذ سعت سي القابضة إلى تطوير نموذج عملي يمكن اختباره وتطويره باستمرار. وقد جعل نجاح المدينة منها وجهة تستقطب صناع السياسات، والباحثين، ومخططي المدن، ورواد الأعمال، وشخصيات ثقافية مرموقة من مختلف أنحاء العالم، ممن يسعون إلى استكشاف ملامح مستقبل الحياة الحضرية كما تتجسد على أرض الواقع. ولا تقتصر قيمة هذا الاهتمام على الزيارات بحد ذاتها، بل تمتد إلى تحويل النقاشات المعقدة حول الاستدامة، والشمول، وطول العمر، ومدن المستقبل، إلى قصص إنسانية قادرة على الوصول إلى جمهور يتجاوز بكثير حدود قطاع التطوير العمراني.

ويتجلى هذا التوجه أيضاً في تعاون سي القابضة مع ماي ماسك بصفتها الصوت العالمي لـ”المدينة المستدامة”، حيث تربط بين مفهوم الحياة المستدامة والنقاشات الأوسع حول طول العمر، والرفاه، والإمكانات البشرية. ويعزز منظورها فكرة تزداد أهمية يوماً بعد يوم، مفادها أن الأماكن التي يعيش فيها الناس قد تؤدي دوراً محورياً في تعزيز رفاههم وإطالة سنوات الحياة الصحية.

وتكتسب المكانة العالمية قيمتها الحقيقية عندما تسلط الضوء على حلول موثوقة وقابلة للتطبيق. وفي هذه الحالة، لا تكمن القصة في مجرد زيارة شخصيات مؤثرة لـ”المدينة المستدامة”، بل في أن نموذجاً عمرانياً عملياً طُوّر في دبي بات يستقطب اهتمام شخصيات تمتلك القدرة على نقل أفكاره إلى نطاق أوسع من الحوار العالمي.

دروس للمستقبل

بعد أكثر من عقد على استقبال أول سكانها، لا تزال “المدينة المستدامة” تقدم دروساً مهمة حول مستقبل التنمية الحضرية.

فقد أصبحت التجربة الأصلية في دبي مرجعاً لمجموعة متنامية من المشاريع في الشارقة، وجزيرة ياس في أبوظبي، والشارقة 2، والمدينة المستدامة – يتي في سلطنة عُمان. ورغم أن كل مشروع منها يستجيب لطبيعة موقعه واحتياجات مجتمعه، فإنها تشترك جميعاً في الطموح ذاته: تطوير مجتمعات تحقق الحياد المناخي، وتتمتع بالمرونة، وتضع الإنسان في صميم تصميمها، بما يعزز جودة الحياة ويحد من الأثر البيئي.

ومع استمرار الدول في الاستثمار في مدن المستقبل، يتحول التركيز تدريجياً من التقنيات بحد ذاتها إلى القيمة التي تتيحها هذه الابتكارات في حياة الناس. وكان هذا دائماً جوهر الرؤية التي قامت عليها “المدينة المستدامة”.

واليوم، وبعد عقد من استقبال أول سكانها، تعمل المدينة على الارتقاء بهذا النموذج نحو جيل جديد من المجتمعات الحضرية المستدامة؛ جيل تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويستهدف تحقيق صافي صفرية الانبعاثات، مع إبقاء الإنسان وجودة حياته في صميم كل قرار. وبهذا التطور، تواصل «المدينة المستدامة» رسم ملامح نموذج أكثر ذكاءً واستدامةً وإنسانيةً لمدن المستقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version